أدنـــدان
عزيزى الزائر
اهلا ومرحبا بك فى منتدى ادندان ونتمنى بان تقضى معنا وقتا طيبا واملنا بان تكون عضوا بالمنتدى بالتسجيل والمشاركة معنا فى الرقى بالمجتمع الادندانى

أدنـــدان

منتدى قرية أدندان
 
الرئيسيةالرئيسيةالتسجيلدخول

..... ليس كل رأى ينشر بالمنتدى هو رأى ادارة المنتدى او رابطة شباب ادندان بل هو رأى كاتبها

منتدى ادندان
منتدى قرية ادندان لكل ابناء ادندان
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 1 عُضو حالياً في هذا المنتدى :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 1 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 29 بتاريخ الأحد يونيو 17, 2012 5:21 pm
المواضيع الأخيرة
» كيكة التمر
الخميس أكتوبر 05, 2017 2:56 pm من طرف بنت ادندان

» اثار النوبة
الإثنين فبراير 29, 2016 9:03 pm من طرف hamdyhassan

» ندوة عادات الزواج
الإثنين يناير 11, 2016 1:01 am من طرف hamdyhassan

» حوار صريح مع العمدة عبد الله شفا
الخميس ديسمبر 24, 2015 9:01 am من طرف هيثم عبد الغفور

» ازمة الكحلي
الخميس ديسمبر 24, 2015 8:57 am من طرف هيثم عبد الغفور

» منتدى ادندان وعامان من الاحلام
الأربعاء أغسطس 26, 2015 11:29 am من طرف Hamdi Gafar

» شعراء من النوبة
الخميس يوليو 23, 2015 12:52 pm من طرف hamdyhassan

» فاين انتم
الجمعة يونيو 05, 2015 10:18 am من طرف hamdyhassan

» الام المثالية لادندانيه 2015
الأحد مارس 29, 2015 7:58 am من طرف hamdyhassan


شاطر | 
 

 "الشمندورة" محمد خليل قاسم [رواية نوبية]

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
علوبة قسطل

avatar

ذكر
عدد المساهمات : 57
تاريخ التسجيل : 26/12/2009
العمر : 52

مُساهمةموضوع: "الشمندورة" محمد خليل قاسم [رواية نوبية]   الأحد ديسمبر 27, 2009 12:55 am

[center][ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
[center]
[center] [center][center][center] [center][center][size=16]ـــــــــــــــــــــــــ[1]ــــــــــــــــــــــــــ

كل شيء في هذا الاطار هاديء ساكن، فأشجار النخيل لا تهز
أعطافها، والنيل يرقد تحت أقدامنا هامدا لا يتحرك، والدوامة
التي تتوسطه ما بين الشاطيء والجزيرة الخضراء خامدة
تغط في نوم عميق.


حتى المراكبية، أصواتهم خافتة تردد أغنيات دافئة عن عذارى ،
وأكواب شاي في الضحى ، أعددنها على نار هادئة من خشب السنط،
فلا تصل الى أسماعنا الا غامضة حزينة . فمراكبهم ماتزال بعيدة، ونقرات
أصابعهم على الدف تخنقها غابات النخيل هناك عند المنحنى الذي يفصل
شمال قريتنا "قته" عن "الدر" عاصمة المركز، أو عند المنحنى الذي يفصل
جنوب "ابريم" توأم قريتنا عن "الجنينة والشباك" .


اننا نتشبث بمواقع أقدامنا على الجرف، لا نريد أن نعترف بالرعدة
التي تسرى في مفاصلنا خوفا من النيل والسكون الذي يلفنا .. بل
نتطلع الى وجه "برعي" زعيم أطفال النجع ننفعل بما ينفعل به !..


ونحن في حقيقة الأمل لا نفعل شيئا غير التأمل في النيل وتحديق
البصر طويلا، ولأن الباخرة ، ذات نوافذ والثريات الكهربية ، ستهل
علينا في هذه الأمسية من المنحنى الشمال تحمل رسائل وطرودا من
المهاجرين.. وتحمل في هذه المرة، كما قال آباؤنا، أفندية بوجوه
بيضاء، وطرابيش حمراء، وملابس عجيبة لم نرها من قبل على جسم
بشر !


مضينا نغالب الخوف وننتقل من قدم الى أخرى ونقتل الرعب الذي
تملكنا بثرثرة متصلة حتى صاح، "برعي"
ـــ ها هي !

وقفز قفزته العالية وهو يشير بأصبعه عبر أجمات النخيل ، ثم
أطلق ضحكة عالية ساخرة حين صاح "بكر" :

ـــ ستكون لي واحدة مثلها !!

نه .. من أين !؟

ــ أبي سيشتري لي واحدة !

فضحكنا جميعا لأول مرة في أمسيتنا ، وعيوننا لا تبارح شريط
النور الأبيض السابح، ولا العلم الذي مضى يرفرف فوقه .

وتلفت برعي نحو بكر وأسكته باشارة من يده ثم تبسم في وقار
ليقول :

ــ أرأيتم الأفندية ؟ والطرابيش حمراء مثل القوطة !

وكانت الباخرة تواصل سيرها وتتجاوزنا دون أن تقع عيوننا لا على
الطرابيش الحمراء ، ولا على الوجوه البيضاء ، الا أن برعي أخذ يؤكد
ويصف تلك الوجوه : مستديرة تلمع كما تلمع المرايا . واسترسل في
حديثه حتى يؤكد زعامته فلم يعترض أحد الا "صالح جلق" الذي همس
في حياء : لا أرى شيئا . أين ؟ .. خلف النور ؟!

واتجه ناحيتي وكأنه يحتج :

ــ ولكن لماذا لا تربط الباخرة عندنا أبدا ؟

ولمحت الغضب يرتسم على وجه برعي ، فلم أجب بينما بادره برعي :

ــ نه ؟ ولماذا تقف هنا ؟! ستربط هناك في "ابريم" .

ثم تظاهر أنه يعرف ريس الباخرة ، فمضى يرحب به ونحن من خلفه
بصيحات داوية ، الا أنها ابتعدت دون أن يأبه بنا أحد .

ولبثنا لحظة والغيظ يأكل قلوبنا ، ثم نكس برعي رأسه وابتعد عنا
في خطى سريعة فبدأنا نعود ، حتى تفرقت بنا الدروب .

وأخذت أنا أشق الطريق الطويل الذي يفصل بين صفوف طويلة
متراصة من النخل ، تشكل غابة كثيفة لا ترى العين من خلالها الا أنوارا
هامسة تنبعث من بيوتنا ، هنالك عند السفح .

كانت أشجار النخيل المثقلة بحبات البلح الحمراء تهتز في بطء
شديد ، وتتصافح شواشيها ويسرى بينها همس أضفى عليه المساء
الساكن كثيرا من العموض . كل واحد في قريتنا كان يملك منها خمسين
أو ستين ، حتى أن صفوفها كانت تمتد من الشاطيء الى المزارع الضيقة ،
ثم تترامى بعدها في صفوف أخرى ، تنفرج عند السفح ، عند بيوتنا
المتلاصقة لا يفصل بينها الا أزقة ضيقة غير مرصوفة وان دكتها أقدام
السابلة على مر السنين والأجيال .

ومن داخل هذه البيوت ، من فوق أسوارها المسلحة بقطع من
الزجاج كانت هذه الأشجار تطل علينا ، سفح الجبل نفسه كانت تعلوه
هذه الأشجار ، وقد لفت رءوسها بعصائب خضراء من السعف والجريد
والسباطات الصفراء المثقلة بحبات البلح .

وفي الطريق ، عند نهاية الأشجار ، رأيت أبي بجلبابه الطويل
الأبيض وعمامته المزهرة ، ومداسه الأحمر اللامع ، الشامخ بأنفه ،
ومسبحته وعصاه ذات المقبض النحاسي .

كان منهمكا في حديث طويل مع فضل الماساوي وجعفر وآخرين
من رجال النجع . كانت أياديهم ، وعذبات عمائمهم ، وعصيهم تلوح نحو
الشاطيء . يبدو أنهم كانوا يتحدثون عن الباخرة والأفندية والوجوه
البيضاء والطرابيش الحمراء ويرددون أسماء بعض الباشوات والصحف .

وسمعت الشيخ جعفر يهتف :
ــ أرض الله واسعة وسيعوضنا أحسن من أراضينا !

فتنحنح عبد الله الجزاء وقال :
ــ ويرزقنا بيوتا غير بيوتنا ؟

ويبدو أن "فضل الماساوي" لم يقنعه كل ما قيل ، فانحنى على
الأرض فجأة ، وأنشب أنامله فيها ، ليعود بها تحمل حفنة من التراب
أخذ يتشممها . ثم تركها تتخلل أصابعه الى الأرض من جديد بينما اتجه
"جعفر" بناظريه الى السفوح وهو يقول في لهجة حزينة :
ــ من يدري.. ربما أراد الله بنا خيرا .

وفتح أبي فمه ليقول شيئا ثم أطبق شفتيه فجأة حين رآني فاستدار
ناحيتي وابتسم في حنان وأمسك برأسي حين دنوت منه وهمس :
ــ لم تأخرت هكذا يا ولدي ؟

وتابع سؤاله وكأنه لا يتوقع اجابة مني :
ــ والباخرة .. هل رأيتها أنت والعيال ؟
ــ نعم يا أبتي.
ــ والوجوه البيضاء ؟
ــ كلا ...
ــ ولا طربوشا ؟

وخشيت أن أقول لا في هذه المرة أيضا فوجدت نفسي أردد : نعم !

وما أن نطقت بها حتى سمعت الشيخ فضل يهمس في حزن :
ــ اذن فقد جاءوا !
ودارت عيناه في وجوه الآخرين ثم أضاف :
ــ مساكين .. نحن مساكين .. لنا رب اسمه الكريم !..

وغمغم عبد الله الجزار :
ــ غدا يكونون هنا في النجع بأوراقهم وأقلامهم !

الشيخ حسين :
ــ ومن يدريك .. وهل أنت أفندي حتى تعرف ؟

وأحس أبي بما يدور على وجهي من أمارات الحيرة فأشفق علي وربت
فوق ظهري ، ومسح بيده على رأسي وأدار الحديث مدارا آخر :
ــ وماذا حفظت اليوم يا ولدي ؟

وصمت لحظة يستحثني حتى قلت :
ــ الربع الأول من سورة يس .

فبسملوا جميعا وكأنما أخذوا على غرة ومضى فضل يعبث بخصلة
الشعر المجدولة المنسدلة خلف أذني اليسرى وشفتاه تتمتمان :
ــ بارك الله في ولدك يا "أمين" .. قريبا يعود الينا من الأزهر
يلقى علينا دروس الدين بدلا من الاغراب !

وتبسم الشيخ جعفر وقال :
ــ ولا تنس الجبة والقفطان الشاهي اللميع !

فضحك أبي ضحكة مقتضبة وشكر للشيخ فضل أمنيته ودعاه الى
العشاء وهو يقول :
ــ ولا تنس أن تأتي معك بأدوات الحجامة .. فالوجع الشديد قد
عاود ظهري ، وكاسات الهوا أفضل علاج !

فبادره الشيخ حسين :
ــ أوجاع في ظهرك ! لا أصدق ، فان لك زوجتين !

وقهقه الجميع ، بينما دس أبي يده في سيالته وقدم لي حفنة من
التمر ودفعني في ظهري وهو يأمر :
ــ عد يا ولدي .. لئلا ينشغلوا عليك، فالدنيا ليل ، والظلام
يشتد بعد أن يغيب الهلال .

كنت أريد أن أتريث الى أن يعاودوا حديثهم عن الأفندية والطرابيش
الحمراء ، ووددت لو فهمت معنى لكل ما يقولون ، وما سبب الحيرة المرتسمة
على وجوههم ، ولماذا يشم الشيخ فضل تراب الارض ؟! ولماذا هذا الحديث
الحزين عن بيوت غير بيوتنا ، وسماء تعوضنا بدل ما نفقد ؟

وكنت أعرف أنهم لن يعاودوا حديثهم الا بعد أن أنصرف ، وأن
شقيقتي وامي وجدتي لن يهدأ لهن بال الا بعد أن أعود .

وعلى ضوء الهلال الباهت أخذت أدب على أرض الطريق الزراعية
الى أن حاذيت شونة البلح ، وانحرفت الى الطريق العام الذي يخترق
صفوف البيوت .

كانت أعمدة التليفون والبرق تنتصب على هذا الطريق ، نفس
الأعمدة التي اعتدنا نحن الصغار أن نلصق آذاننا ونصيخ السمع الى
كركرة جوفها ثم نتصايح : مصر تكلم ابريم ! مصر تكلم الدر !

وفي تلك الأمسية، وعلى غير العادة ، صح برعي في زهو وخيلاء :
ــ مصر تكلم بلدنا !

ومن يدري ؟ فربما كانت مصر تكلم بلدنا بالفعل في تلك الليلة
عن الطرابيش الحمراء والوجوه البيضاء .. ربما ..

وكان وطواط قد حط على الأسلاك ثم لم ندر ما حدث له ، فقد
سقط صريعا أمام عيوننا فأسرعنا ندفنه الا أن "برعي" تشبث به ومضى
يغمغم بكلمات مبهمة عن تجفيف الوطواط ودقه الى مسحوق أسمر ! وعن
"شريفة" جارته الصغيرة !

وتركناه يحتضن وطواطه وانصرفنا بعد أن تواعدنا على التلاقي ،
بعد صلاة العشاء في الساحة ، نلعب الهندوكية "الحجلة" حتى يثقل
النوم جفوننا .

كان بيتنا هنالك في بداية الطريق ، تتصدره "مندرة" يفتح عليها
الباب العمومي ذو الضبة الخشبية الغليظة ، وندلف منها خلال باب آخر
صغير ، الى فناء واسع تراصت على جوانبه ثماني غرف مسقوفة بجذوع
النخيل والجريد المضفور بحبال الليف .

وفي جانب من هذا الحوش دقت أوتاد للأغنام والماعز تسعى
الدواجن والحمام بين أقدامها، تنق وتهدل بينما "لورد" يرقد على مقربة
يحرسها بعين يقظة .

هذا الجانب ينتهي بمطبخ ، وفي ركن من هذا المطبخ ثلاث صوامع
كبيرة من الطين وصومعتان متوسطتان لشقيقتي وأخرى صغيرة لي أنا .

ومن خلف البيت ترتفع مئذنة الجامع ، وعلى يسار بيت برعي
على مسافة يسيرة من بيت "داريا سكينة" أم "شريفة" صديقة أطفال
النجع ..

دلفت من الباب العمومي ، ووجدت نفسي في "المندرة" . وتوقفت
هنيهة عند الزير الفخاري المنتصب عند الباب ، أعب من مائه في صوت
مسموع ، وأنا أختلس النظر من فوق الكوز الى "بطة" شقيقتي الصغيرة
وهي تطل على وعاء كبير منهمكة في اعداد وجبة العشاء ، بينما استدارت
جدتي نحوي في هدوء تسأل عن سبب تأخري دون أن تقتنع بما لفقته
من أعذار فمضت تعنفني ، تساندها بطة بنظراتها الحادة .

وهنالك في الركن الآخر كانت أمي .

مخلوقة غريبة تعمل أناملها دائما في الأرض ترسم خطوطا تدور
وتتشابك ، ثم تبسط يدها لتمحوها في أناة ، لتعاود رسمها من جديد !

ولم أدرك طيلة حياتي معنى لتلك الخطوط ، ولكنها على كل حال
كانت شغلها الشاغل الذي لا تكف عنه في عزلتها الأبدية ..

كانت أمي من هذا الركن القصي الذي استقرت فيه منذ أعوام سبعة
تنفعل معنا بكل شيء : تبكي اذا ما بكينا ، وتبتسم اذا ما ضحكنا دون
أن تتبادل معنا كلمة واحدة ، دون أن تشاركنا طعامنا من اناء واحد !

ولكنها رغم ذلك كانت تحبنا جميعا ! أمها وبنتيها وولدها الوحيد ،
الا اننا لم نكن نستبين هذا الحب في بادرة أخرى غير نظرة طويلة حانية
من عينيها الواسعتين ترسلها نحوي حين تراني أدلف من الباب أو
أخرج ..

نظراتها الحانية هذه كانت تبدو حين تنتهرني جدتي ، أو حين
تتعلق بي "بطة" لتضربني .. أو حين يصب أبي غضبه على رأسي .

كانت ترتفع برأسها وتسدد اليهم نظرة قاسية صارمة ، ثم ترتد
بطرفها نحوي بتلك النظرة العذبة الحانية ، فأرتعش أنا بالحب ، الا انني
رغم ذلك لم أجرؤ في يوم من الأيام أن أقترب منها ولم تجرؤ هي أن تدنو
مني ، فاذا ما أرادت أن تهديني شيئا قدمته لي من بعيد ، فقد كان في
أعماقها شيء ينأى بها عني ، فلقد أخبرتني شقيقتي الكبرى "جميلة" أن
أمنا أصيبت بالصرع قبل مولدي ، وأن نوبة اغماءة منكرة ألمت بها ذات
يوم وهي ترضعني فبركت علي دون أن تعي وكادت تخنقني ..

هاج البيت يومذاك وماج ، وأبعدوني عنها منذ ذلك الحين ، أما هي
فقد أفاقت من غيبوبتها وأدركت كل شيء وقررت أن تبتعد عني الى الأبد !

لقد تربى في صدرها خوف رهيب من ملامستي خشية أن تخنقني ، وظل
هذا الشعور يساورها حتى بعد أن كبرت ، فاكتفت طيلة حياتها ، بتلك
النظرة الطويلة الحانية تنفذ الى قلبي عذوبة دافقة .

وما كدنا ننتهي من تناول عشائنا حتى تناهى الى أسماعنا وقع
خطى في الشارع الملاصق وأصوات الرجال ميزت منها صوت أبي والشيخ
فضل ورجل آخر لم أكن قد عرفته بعد ..

وفتح الباب العمومي ، وفجأة ولأول مرة ، ولأمر لا أدريه أسرعت
شقيقتاي ، ودفعتها بي دفعا معهما الى الفناء الداخلي ..

كان الرجل الثالث هو شعبان ، الذي تزوج شقيقتي الكبرى ، وقد
جاءوا في تلك الأمسية يتحدثون عن هذه الزيجة ويستعدون لها ، ويبدو
أن أمي كانت تعرف أمر هذه الزيجة ، فقد استمعت الى كل ما دار هنالك
وأقبلت تنحني على "جميلة" وتطبع قبلة على جبينها !

وتقدمت "بطة" تعانق شقيقتها بينما وقفت أنا حائرا لا أدري ماذا
أفعل ، وأدركت "جميلة" ما أنا فيه .. فانحنت تقبلني وهي تبتسم ،
ولا أدري لماذا أحسست في تلك اللحظة بالضيق . لقد أردت أن أسألها
عما يدور هناك داخل "المندرة" .. الا أن أصوات الرجال كانت تعلو
ومعها صوت عائشة ــ جدتي ، كانوا يتحدثون عن الطرابيش والباخرة
ذات الثريات المتلألئة ، فمضينا نصيخ السمع بينما اقتربت الأم من الباب
الصغير الذي يفتح على "المندرة" من الفناء ، وتريثت حتى قام أبي بتوديع
شعبان وفضل وعاد الى مجلسه فانطلقت الى "المندرة" .

ومن خلال الباب الصغير ، تناهى الينا ، ونحن تحت سماء زرقاء
صافية ، ينيرها هلال فضي باهت ، صوتها الواهن الرقيق يتسلل في
هدوء وحزم ، وأبي يحاورها ويداورها ..

ودون أن ندري ، لماذا ارتفع صوتها ، واحتد على أبي ، كانت
تتحدث عن الباخرة ودفاتر التسجيل ، حديثا أنهته في كلمات حازمة :
ــ "أمين" .. هذا البيت يكتب باسم "حامد" !!

وصمت الرجل صمتا أدركت هي كنهه فانبرت تقول :
ــ يمكنك أن تسجل باسمك ذلك البيت الذي تعيش فيه مع الزوجة
الأخرى .. ضرتي ــ وكذلك البيت الثالث الذي ورثته عن أبيك مع
النخيل التي نملكها هنا وهناك ، خذ كل شيء لنفسك الا هذا البيت ،
فقد بنيته معك طوبة بعد طوبة ، وجذع نخلة بعد آخر ، وعشت فيه مع
أمي العجوز هذه ، وأولادي هؤلاء سنة بعد أخرى، ويجب أن يسجل
باسم ابني .. باسم "حامد" !

ولا أدري ما الذي دفع أما مريضة ، أن تقول كل ما قالته ، الا أنني
عرفت حينذاك أن أمي تملك شيئا ما غير النظرات الحانية ، حبا لا حب
بعده ، أملا عريضا تحاول أن تسعدني به .. كانت تملك رغم مرضها
قوة مواجهة زوجها ! تسجيل بيت باسمي كان شيئا كبيرا بالنسبة لي أنا
الطفل ، كنت لا أفهم له معنى ، ولكن كلمات أمي حملة الى قلبي ماجعلني
أوقن انها تدافع عني ، بيد أنني رغم ذلك لم أدرك أية علاقة بين الطرابيش
الحمراء وتسجيل بيتنا ذي الغرف الثمانية باسمي .

واشتد الحاح أمي بينما ازداد صمت أبي حتى نفد صبره ، فأخذ
يقذفها بكلمات جارحة : مجنونة ! مخبولة ! مالك ولهذه الأمور .. انزوي
في ركنك يا .. فأجهشت بالبكاء وارتفع صوت جدتي ، تحاول عبثا أن
تهديء من روعها وأن تسكت أبي الذي ارتفع صوته يهدر كأمواج النيل .

وفي الفناء كنا نحن الثلاثة نلتصق ببعضنا في صمت لم يقطعه
الا صوت "جميلة" وهي تبتسم : لماذا يا أبي .. لماذا !؟ ..

ثم بعد صمت قصير :
ــ دعها وشأنها .. انها مريضة .. أنت تعرف انها مريضة !

وهمست الأخرى في صوت دامع :
ــ كل هذا من تحت رأس العقربة ، حجوبة .

وقاطعتهما في كلمات مختنقة :
ــ جميلة .. بطة .. أنا لا أريد بيتا ..

واختنق صوتي بالبكاء بينما صوت أبي مايزال يهدر، وبدا
"لجميلة" انني اتململ في موقفي فأمسكت بيدي في عزم ، وأفلت أنا
منها رغم ذلك فجأة واندفعت كالسهم الى "المندرة" ثم الى الركن الذي
تقبع فيه أمي أحاول أن احتضنها بيدي الصغيرتين ، وهي تدفعني بعيدا
عنها في حنو ، وتنهاني عن الاقتراب منها في تلك اللحظة المشحونة
بالصدام ، ولكنني اندفعت اليها أهمس :
ــ أمي .. أنا لا أريد بيتا .. لماذا تريدينه لي ؟ .. سأختم القرآن
وأسافر الى الأزهر !!

ولم أستطع أن أواصل حديثي ، فان دمعة ساخنة كانت قد سقطت
على يدي فألجمت لساني وهمت هي لتحضنني غير أنها ترددت ، ثم اربد
وجهها فجأة وغامت عيناها في سحابة من الدموع وبان فيهما بريق غريب
اتكأت بعده على الأرض براحة يدها اليمنى ، ثم انكفأت على وجهها !
وأخذت تحرك ساقيها في تشنجات .. ثم هدأت مستكينة بينما يغلي شفتيها
سائل أبيض مثل رغاوي الصابون .

وتحركت الأقدام من حولنا ، تروح وتجيء .. بينما أصابني الذعر
واحساس بأن روحي تنسل من بدني ، وقطرات من الدمع تنسكب على
خدي .

ثم انكفأت على أمي متغافلا تحذيرات جدتي وأبي الذي بدا عاجزا
وحائرا في نفس الوقت .

هذا الرجل : أبي ــ يعرف متى بادأها هذا المرض الغريب وأين !..
هنالك في القاهرة ، في حي البغالة بالذات ، أيام كان يعمل غفيرا في
الكونتنتال في أعوام السلطة ، وهو ما يزال يذكر أنه لم تجد معها أضرحة
جميع الأولياء والأطباء ، فعاد بها من مصر ، كان يحبها وقد ازداد حبه لها
بعد مولدي ولكنه في نفس الوقت لم يحتمل العذاب بجانبها فهرب منها
الى زوجة أخرى . وخليق به اليوم ألا يحتمل الموقف الذي استثاره بعناده ،
فذرف دمعتين وهو يهتف : فاطمة .. فاطمة .. سامحيني .. فلم
أقصد شرا !!
ومضى الى الباب .. وجدتي تستمطر اللعنات على رأسه ورأس
أهله ..

وحين رأيت الدموع في عينيه ، وفي عيون الأخريات أحسست ان
أمي ستموت في تلك اللحظة فارتفع صوتي بالبكاء ..

ومع صوت بكائي ارتفع صوت الذئب : أووو .. أووووو !..

وبرعي هو الذي أطلق صيحة الذئب .. ومن كل الأزقة والبيوت
أخذ الأطفال يرددون مثله هذه الصيحة التي اعتاد دعوتنا بها الى الساحة
الواسعة أمام شجرة الجميز لنلعب "الهندوكية" (الحجلة) في ضوء
القمر .

وكان من واجبي ، شأنهم جميعا ، اطلاق نفس العواء .. لأسرع
اليهم . ولكنني ألقيت نظرة على وجه أمي فأدركت أن واجبي هو البقاء
الى جانبها ريثما تفيق فألتقط من عينيها نظرتها الطويلة الحانية .

تردد العواء مرة بعد أخرى .. واستجاب له أطفال النجع الا أنا ..
فقد احتبس هذا العواء في حلقي .. وبدلا منه أمسكت بالمصحف أرتل
منه وقد وضعت يدي على رأس أمي التي كانت ماتزال تعاني نوبة اغماء
منكرة .

وبينما عادت جدتي من الديواني تحمل زجاجة عطر نفاذ ، كانت
بطة تهرول الى الخارج لتستدعي خالتي أمينة بايا .. فهي خبيرة بأمي
وبنوبات اغمائها .

وفي نفس الوقت كان عواء الذئب يتردد في النجع .
ـــــــــــــــــ[2]ـــــــــــــــــ

منذ أن ارتفع صوت المؤذن بالفجر .. وأنا مستلق على ظهري
فوق "العنجريب" .. أحدق في جذوع السقف .. وفي
أطباق الخوص والصيني المزخرفة المعلقة على الحائط منكفئة على
وجهها !

فالأضواء الخافتة التي تلقيها المسرجة على الحائط والأطباق ..
والأبراش الخوصية .. الى جانب الظلال المرتسمة عليها ترسم عالما خياليا
أمام عيني يشغلني من حين الىآخر .. عن مراجعة صورة ياسين .. عالماً
خياليا لم يتبدد الا حين أخذت أشعة الشمس تتسرب الى "المندرة" في
حياء ، من خلال الكوة العالية المنحوتة في الجدار .. يعلق بها غبار
يتراقص أمام عيني .

وفي صمت ، وحتى لا توقظ أحدا ، هبت شقيقتي "جميلة" من
نومها .. ومضت تتحرك خفيفة الوطء لتعد افطارنا : شرائح من "الخمريد"
(العيش المخمر) وسلطانية لبن رائب مزجته بقليل من عسل البلح.


وازدردت افطاري على عجل .. وعلقت لوحي من عنقي على صدري
.. وكيس الكتب على كتفي .. وطوقت رأسي بالكوفية المزركشة ..
وأخذت أمد أذني عبر الجدران والكوى والأبواب علني أسمع نداء "برعي
دولحظ" فلقد تباطأ نداؤه اليوم .. ونفد صبري فدلفت الى الفناء أشاغب
"لورد" وهو يتسمح بي .. ويهز ذيله بتحية الصباح !

وفجأة ، ومن بعيد ، تردد عواء الذئب .. الا انني لم أتحرك ..
فقد اعتاد "برعي" أن يطلق عواءه الاول .. أمام بيت شريفة علها تكون
في يقظة .. فتستمع الى صوته القوي .. كان يطلق نداءه ثم يتمهل
قليلا أمام بيوت الأطفال .. فيحملون مثلي ألواحهم وأكياس كتبهم ..
وينطلقون معه .

وعند الناصية .. على مقربة من شونة البلح رأيت "برعي" يلصق
أذنه بعمود التليفون والى جانبه صديقاه "صالح جلق و "بكر" يقضم
كل منهما شريحة الخمريد يزدردها مع التمر وهو يهمهم بآيات سورته .

كان "برعي" ، رغم قامته المبشرة بالامتداد وعضلاته المفتولة ..
ووجهه الاسمر اللامع .. وأنفه الأفطس وشفتيه الغليظتين الحازمتين ..
وقدميه الضخمتين المتشققتين في روافد صغيرة ، مريضا بأمعائه وصدره
.. كان يجري في قوة الأسد .. ويطلق في نفس الوقت سعالا عنيفا
يخرج من حلقه في أنغام خشنة مبحوحة تتناهى الى مسمعيك وكأنه يقول:
"دولحظ.. دولحظ" .. ولم يعد هو، على مر الأيام ، يبالي حين نناديه
ببرعي دولحظ .


أقبل علي حين لمحني وسلم بطريقته الغريبة اذ مد قدما لامست قدمي
بينما مد يدا الى يدي .. كان حافيا .. قدمه خشنة متشققة ، فهو يؤم
الكتاب ويكدح في نفس الوقت مع أبيه وخاله الشيخ فضل في حقليهما
الصغيرين بقية النهار وبعض الليل .


ورغم ذلك كان أكثرنا حفظا واستعدادا ، يلتهم كل الدروس ،
ويتقدم علينا جميعا .. يكاد يختم القرآن هذا العام .. وحينذاك ستنتهي
حياته الدراسية ليعمل مع أبيه في الغيط ..


كان في الثالثة عشرة . يكبرنا بأربعة أو خمسة أعوام ، ولذلك
أحسسنا جميعا بالولاء له فهو حامينا أمام أطفال النجوع الاخرى الذين
يتربصون بنا كثيرا خلف جذوع النخيل وعند منعطفات الطريق ، وقد
حدث مرة أن اشتبك بكر بواحد من أطفال نجع "السوارذب" فضرب
حتى احمرت عيناه، فتواعدنا على ملاقاتهم بعد يومنا الدراسي لنتضارب،
ونسف التراب ، فالتقينا بين غابات النخيل متخذين من جريدها الاخضر
الطويل كرابيج وعصيا نتبارز بها .. وعدنا ظافرين في ذلك اليوم ،
وفي ضحى اليوم التالي كنا ، نحن وأطفال "السوارذب" معا في الكتاب
نتبادل النكات ، وحفنات التمر كأن نزاعا ما لم يقم بيننا ، ثم تربصوا
بنا وأذاقونا الهزيمة متحينين فرصة غياب "برعي دولحظ" في تلك الظهيرة
الحارة .

ومنذ ذلك اليوم لم نعد نسير الا وعلى رأسنا برعي. ولا نلعب الا
وهو معنا ، ولا نمر في طرقات نجع الآخرين الا اذا كان معنا ..

كل واحد منا كان على استعداد لأن يقدم له كل شيء يملكه ، النبلة
والفخ والسنانير والرطب المبكرة ، والبسر الأحمر ، وسنابل القمح
الخضراء ، بل كنا في بعض الأحيان نمضي لنسهر معه في الغيط ، اذا
ما اضطر الى البقاء هناك في الليل ، ونطارد معه الثعالب والفئران .

كان تلميذا مجدا وفلاحا ماهرا في نفس الوقت .. ذا صوت جميل
يغرد به وهو يروى الأرض ويرمم البتون والجداول .. ويحفظ
عن ظهر قلب أغاني قريتنا ويتصرف فيها بالتحوير. ويعدل كلماتها
كيفما شاء !.

كان آباؤنا يتهمونه بافساد الاطفال ، اذ اعتاد أن يقتطف شواشي
الذرة ويجففها ويلفها لندخنها كما يفعل الكبار . وأن يطارد "شريفة"
في كل مكان ، فقد نضج قلبه ، ويتفتح على مشاعر الحب في تلك السن
المبكرة !

أما صالح جلق .. فهو طفل رقيق الحاشية .. مهندم الثياب ..
عزيز النفس ، يؤم الكتاب .. وهو يرتدي جلبابا أفرنجيا ، ويزين رأسه
بطاقية مزركشة عليها جمال باركة ، وأخرى تنهض ، وينتعل صندلا
أصفر أرسله أبوه من مصر أم الدنيا .. لا يتقدم في دراسته كما يتقدم
برعي ، بينما بكر ، عفريت ، كثير الشغب .. الثغ ، تعود أن يتسلق
النخيل وأشجار السنط بحثا عن أعشاش العصافير .. مكثنا طويلا
نلصق آذاننا بأعمدة التليفون ونرسل بين الحين والآخر نداءنا الداوي
الى أن جاء أوش الله واكتمل جمعنا ..

فانطلقنا مسرعين، والشمس تحلق فوق بيوتنا المائلة على سفح
الجبل ، والمئذنة المطلة خلف بيتنا ، كنا نجري موهمين انفسنا اننا
نمتطي ظهور حمير أسرجناها. كان برعي يسبقنا ثم يتوقف رافع
الرأس في عطرسة . حتى نكاد نقترب منه ثم يجري وهو يرسل
عواءه ، يمطه ويشتد به اذا ما دخلنا دروب "السوارذاب" ليلقى
الرعب في صدور أطفاله الذين كانوا يتسابقون مثلنا ، وعلى رأسهم
"أحمد البسطاوي" يطلق صياح الديكة ــ الشارة التي اتفقوا
عليها لنجعهم ..

وعلى مقربة م سفح الجبل عند الاطراف الشمالية لنجع السوارذاب
كان بيت الشيخ طه ، وعلى جانب منه كتابنا العتيق "مندرة" طويلة
وطاقات أربع تتسرب منها أشعة الشمس .. مسقوفة بجذوع النخيل
والجريد ، فرشت أرضها بالرمل الأصفر الناعم ، في مقدمتها مصطبة
عالية عليها حصيرة خوصية ملونة فوقها وسادة يتكيء عليها الشيخ
ونحن نعبد على مسامعه ما حفظنا، جلوسا على الارض عند قدميه .

وعند الباب مباشرة اناء ماء تناثرت حوله قطع صغيرة من الحجارة
الجيرية البيضاء ، فقد كنا نحفظ ما على اللوح ثم نمحوه بالماء ونعيد
طلاء صفحته بهذا الجير الابيض ونتركه يجف ثم نكتب عليه آيات أخرى.

وها نحن ندخل الكتاب ، ونصطف جالسين نواجه الجدار ، وقد امسك
كل منا باللوح نرتل ما على صفحته من آيات في همهمات عالية
تختلط فيها الكلمات حتى يخيل لك أن خلية نحل تطن في أذنيك ..

كنا نهتز يمنة ويسرة : بسم الله ، يس والقرآن ، مرج البحرين
يلتقيان . أعوذ بالله ، فبأي آلاء ربكما تكذبان .. بسم الله .. يس .

وفجأة انطلق صوت العريف .. هس .. فسكتنا جميعا ، وشعرنا
أن عشرات من الابقار كانت تخور ثم توقفت فجأة عن خوارها الرهيب .

وطرقع العريف بكرباجه ، ومر به في مس خفيف على ظهورنا ،
فأسندنا الالواح الى الجدار .. واستدرنا نواجهه وهو ينتقل بين هذه
المجموعة او تلك يملي مسائل الجمع والضرب والقسمة والطرح
لنخطها على الرمل ، فيراجعها بنشاط وذكاء .

ومرة أخرى طرقع العريف بكرباجه فرفعنا عن الارض وجوهنا ،
ثم مضينا نردد معا وفي كلمات متكسرة ، مصر العزيزة لي وطن ..
فتنداح أصواتنا عبر البيوت والاشجار وترن اصداؤها على الصخرة
العالية المعلقة فوق كتف الجبل مباشرة خلف الكتاب وترتد الينا :
لي وطن .. لي وطن في نغم جميل .

ــ وفجأة وبينما نحن هائمون في النشيد ، ارتفع عند الباب همس

ــ سيدنا الشيخ ! سيدنا الشيخ !

فنشطت الحلوق سيدنا الشيخ سيد .. سي .. سي .. ثم صمتنا
صمت القبور واتجهنا بأبصارنا الى باب صغير يصل ما بين الكتاب
وبيت الشيخ فرأيناه ، وهو الرجل الضرير ، يتحسس طريقه بنفسه
ويرقى العتبة دون معين الى ان تقدم العريف وخطا به الى منصته
العالية ، فخلع مداسه وأسرع أوش الله لينفضه بينما تربع الشيخ
على المصطبة وشفتاه مشغولتان بترديد كلمات من القرآن ..
ثم كف عن همهماته وساد الصمت العميق وهو ينادى على برعي
ليكرر عليه ما حفظه في نغم لاهث .

ونجا برعي ونهض وتنحى جانبا وهو يرمق البسطاوي بنظرات
شامتة متشفية .. فقد مد المسكين في الفلكة .. أما أنا وبكر وأوش الله
.. فقد تلعثمنا كثيرا اذ أخذتنا الرعدة بعد أن سمعنا صرخات البسطاوي
وهو يتلوى في الفلكة كما يتلوى طائر جريح .. وقد احتجزنا الشيخ
في بيته لنسقى شتلات نخل كنا قد غرسناها له في فناء بيته ..
واختصني الشيخ بالتقريع وهو يذكرني بأمنية أبي ، أن اختم القرآن
لتقلع الباخرة بي الى الأزهر الشريف !

وخبا بريق الطفولة المتشيطنة في عيوننا ونحن نحتجز ، وأحسسنا
بالجوع يملأ نخاع عظامنا بالالم .. فطفرت الدموع وسالت ونحن نراقب
الآخرين وهم يتأهبون للانصراف ..

لقد كان يستبد بي حنين جارف الى نظرات أمي التي تركتها في
الصباح راقدة في ركنها تئن وتتوجع ..

وأخذنا نتجه في يأس الى الدلاء ، بيد أننا تلكأنا في اللحظة الأخيرة
نراقب رجلا من النجع الآخر ، ينحني على الشيخ ويلثم يده .. ثم يهمس
في أذنه همسات استدعى الشيخ بعدها برعي والبسطاوي وأمرهما
فتصايحا على الأطفال الذين كانوا قد خرجوا الى الساحة الممتدة أمام
الكتاب ، فعادوا والحيرة مرتسمة في عيونهم ..

وتجمعنا في موكب وسرنا خلف الشيخ ، عبر طرقات النجع ، الى
نهايته ، الى أن تراءت لنا خيمة كبيرة رصت فيها أسرة وعنجريبات متناثرة
تربع عليها الرجال يهمهمون ، ويترحمون ويتكلمون عن مشاغلهم بينما
فناجين القهوة السادة ولفافات التبغ الماكينة تدور عليهم .

كان مأتم رجل شيع الى قبره منذ أسبوع .

وفي ركن من الخيمة ، وفي نهاية صفين متقابلين من الأبراش
الخوصية ارتكزت مقاطف كبيرة منبعجة تلمع فيها آلاف من قطع الحصباء:
صفراء وحمراء ، بيضاء ومجزعة ، تنتظر أيادينا النحيلة .

وتربعنا جميعنا متقابلين ، وبدأ الشيخ يرتل بصوت منغوم والناس
مشغولون عن تلاوته بأحاديثهم .

ــ عند النتوء الشرقي مرت باخرة الافندية .
ــ ولماذا جاءوا
ــ من يدري ؟..
ــ ألا تعرف يا شيخ ؟.. للتسجيل !
ــ مسكين محمود .. مات قبل أن يرى الطرابيش ..
ــ دنيا ..
ــ رحمة الله عليه ..
ــ ولا رحمة ولا يحزنون ، أنا لا أبكي عليه بل على زوجته وعياله
.. مساكين ! .
ــ ترزق .. ربنا موجود يا شيخ !
ــ يقولون أن معهم دفاتر لتحصيل الميري .
ــ الميري !؟ ومن أين ندفع الميري ؟ أباطك والشمس ..
ــ كما خلقتني يا مولاي ..

ويستمر الشيخ في ترتيله رغم كل شيء .. ويختلط ترتيله بأصواتنا
ونحن نردد : لا إله إلا الله .. لا إله إلا الله .. فقد كنا نؤدي طقوس
المرحمة فنلتقط الحصباء قطعة قطعة ونحن نرتل .. ونقذف بها في سرعة
الى مقاطف أخرى فارغة .

كان الشيخ يهتز وتهتز معه قاماتنا الصغيرة ..

وانتهينا والشيخ يقول : صدق الله العظيم ، فأشعل الرجال لفافات
التبغ ، وعادوا الى أحاديثهم ، بينما حشرنا نحن في الركن الآخر ..
تحملق عيوننا في اتجاه الباب ، فقد كنا جياعا تصرخ أمعاؤنا بالالم .

وما هي الا لحظة حتى تهللت أساريرنا فقد أطلت "أناجر" الفتة
يتصاعد منها البخار .. قصاع مليئة علهيا قطع كبيرة من اللحم اللذيذ
المسلوق ، فتخاطفناه في هرج ، وعضلات وجوهنا تتقلص مع المضغ ،
ونحن نكور اللقمة ساخنة ونلقى بها في أفواهنا ، نعاجلها بأخرى قبل
أن تنتهي .

وانتهى المأتم ، وتجمعنا في موكب خلف الشيخ والرجال ، نحمل
المقاطف على رءوسنا ونخترق دروب النجع الى الجبانة البحرية .

وتوقفنا والحزن يتملكنا على قبر الفقيد ، ننسق الحصباء على صدره
.. ونروى بأباريق الماء ، صبارا متجهما ينمو عند رأسه ، والرجال
وقوف من حولنا ، تتناهى أحاديثهم الى أسماعنا .. كانوا يتحدثون عن
النيل والفيضان ..

واستدار الرجال ليعودوا الى بيوتهم وحقولهم .. وحسبنا أن
الشيخ سيصرفنا .. الا أنه أصدر أوامره فتبعناه الى الكتاب من جديد!

وهناك ، أمرنا عن طريق العريف أن نجلب الى صومعة الكتاب ،
يوما بعد يوم أربع طورات من البلح !

ــ أسمعتم ؟ .. كل واحد أربع طورات ؟.

ثم مد كل واحد منا ساقه فمر عليها العريف بالقلم البوص ،
ورسم عليها علامات يجب أن نعود بها يوم السبت .. والا قام ذلك
دليلا على اننا قد نزلنا الى النيل ، ثم يأتي دور الفلكة والكرباج !

فالفيضان الذي ملأ مجرى النيل بأمواجه المتلاطمة ، قد بعث الخوف
في قلوب آبائنا فتوسلوا الى الشيخ أن يحذرنا ، فاهتدى الى هذه الطريقة
العجيبة ، علامات بالحبر على سيقاننا يفحصها الشيخ ليتأكد أننا لم ننزل
الى النيل وأمواجه الصاخبة .

ولكم تحايلنا على هذه العلامات ، وعبثنا في النيل ، وعدنا بها دون
خوف من فلكة الشيخ .

وقبل أن تغيب الشمس انصرفنا من الكتاب .. وعدنا وعلى رأسنا
برعي يردد عواءه .. بينما انطويت أنا على نفسي أفكر في الطورات
الأربعة وفي الطرابيش الحمراء . وبركات أفندي الذي أخذ اسمه يتردد
في قريتنا في كل يوم على المصاطب وفي الساحات الممتدة أمام دكاكين
التجار !
ــــــــــــــــــ[3]ــــــــــــــــــ

كل شيء كان بهيجاً وجميلاً في قريتنا في تلك الأيام ..
فالنيل العجوز ، وسواعد الرجال والنساء ، والشمس
المشرقة اللافحة قد كسا الغيطان والشواطيء بخضرة يانعة
تتخللها مقاطع شتى من الألوان تبعث البهجة والتوثب . ونبات الترمس
ينمو ويترعرع فوق الجروف المبتلة "والكشرنقيق" ينشر خضرته بين
سيقان أشجار النخيل .. يزخرفها نوار أحمر وأصفر وأبيض هنا وهناك ،
وعيدان الذرة ، ترتفع وتميس على نغمات النسيم ، وتمد أصابعها
الصغيرة تثقلها ، فتنحني وكأنها تصلي للأرض الطيبة ، وعلى النخيل
عناقيد بلح تتزاحم كعصائب من المرجان تلف أعناقها .. والنيل العالي
تتلاطم أمواجه الحمراء الدسمة ويهدر كأنه حانق على نجعنا وعلى الجزيرة
التي كاد يبتلعها ويحطم بيوتها المبنية من الطين .


ولقد تعاون النيل الطامي والشمس الملتهبة في ارهاق الأبدان حتى
أصاب الرجال لهاث .. فسقطوا أعياء ، وافترشوا المصاطب حول أشجار
النخيل واستسلموا للنوم بعد أن ملأوا بطونهم بشرائح كبيرة من الخمريد
والسبروجة والاتر حريقة بالشطة الحمراء .. يزدردونها الى جانب
قضمات من البصل الأخضر ..

وفي يوم من هذه الأيام اللافحة . كنت أتربع على هودية الساقية .
تدور بي وأنا أستحث بقرتنا : تنزح المياه فتصبها القواديس الفخارية
الحمراء في الجدول الكبير ، ليستقبلها "حسن المصري" ويجريها في هذا
الحوض او ذاك .. مترنما بألحانه الصعيدية الحزينة التي لم أدرك لها
معنى . فقد كان لا يكف عن ارسال مواويله الا ريثما يلف سيجارته أو
"يدقنها" على حد تعبيره ، ويرسل دخانها في حلقات متتابعة متعجلة بين
شواشي الذرة ثم يفرك بقاياها بقدمه العارية ، ويعود إلى أغانيه يرسلها
في شجو ، وعيناه تتجهان ناحية الشمال .

عاش هذا الرجل سنوات طويلة في قريتنا .. دون أن يدري أحد
من أين أقبل ولماذا وكيف ومتى يترك النجع ؟. ورغم ذلك فقد رحب به
الجميع . على مصاطب بيوتهم وحفلاتهم .. أحبوا فيه رجلا قوياً يصنع
ضلوع سواقيهم ويرمم جدران بيوتهم المتشققة ..

وأحب الرجل نجعنا وأطفاله ، وأحبوه هم كأنه واحد منهم ..
كانوا يتطلعون إلى وجهه .. فاذا ما وجدوه مرحا ضاحكاً أقبلوا عليه
يتشاغبونه ويتصايحون به : الاحمر أهوه .. الاحمر أهوه ! أو يمدون
أناملهم الصغيرة الى شاربه الطويل الذي غطى نصف وجهه المائل الى
الحمرة ، وقد ارتفع طرفاه المدببان الى عينيه الحادتين ، يعلوهما حاجب
كث وجبهة عريضة تشير تجاعيدها القليلة الى الخامسة والثلاثين ..


وذات مرة في يوم عيد تجمع الاطفال حوله بملابسهم الزاهية
يريدون مشاغبته .. الا أنهم ابتعدوا عنه بسرعة .. اذ بدا لهم في
جلسته الحزينة ، وقد اعتمد ذقنه على مقبض العصا ، شاخصا بعينيه
الحادتين في اتجاه الشمال مهموما مربد الوجه ، قاسيا يثير الرعب
في قلوبهم الصغيرة .

ابتعدوا عنه بينما اطرق هو الى الارض .. يفكر في قريته البعيدة
.. ويجتر ذكريات أعياد قضاها في "الكلح" الى شمال أسوان ..
فاستبد به حنين جارف كسا ملامحه بتعبيرات كالحة هزت كيانه ، ونأت
به عن العيد ومباهجه وعن التحطيب الذي علمه لبعض شباب النجع .

لكن جلسته الحزينة الى الجدار لم تطل .. فقد هب على قدميه ومضى
بخطوات متثاقلة الى أبي أمام المتجر وانتصب أمامه بقامته المديدة . ثم
تنحنح حتى رفع أبي رأسه وحرك عينيه في دهشة متسائلة ، فعاجله
حسن المصري بكلمات مختلفة .

ــ يا شيخ أمين ، لو تكرمت نسوي حسابنا ؛ وعجب أبي من كلماته
وحسبه يحكي نادرة من نوادره فقهقه عاليا وقال ، بينما يده تشد "حسن
المصري" من جلبابه الى المصطبة :
ــ حساب ! ليس بين الخيرين حساب يا حسن ، تعال يا رجل ..
وصمت الرجل .. فاستطرد أبي يقول :
ــ ولماذا نتحاسب .. الدكانة دكانتك والغيط غيطك !

وفتح الرجل فاه ليقول شيئا الا أن أبي استرسل :
ــ وأولادي هم أولادك يا حسن .. أم أن .. وتردد ، والرجل
يحملق فيه ثم أضاف :
ــ أم أن شيئا ينقصك ؟!

وتلفت نحو باب البيت على مسافة مترين ونادى :
ــ "بطة" بنت يا بطة .. هاتي شايا لعمك المصري .

وعاد يتفرس في وجه "حسن المصري" .. فوجده ما يزال مربدا
فسأل :
ــ مالك ؟! أمريض أنت يا أخي؟ اجلس .

فبلع ريقه وقال في صوت دامع : كلا.. الحمد لله .. لكن مصير
الغريب "يرد ع" لبلده !

فلم يصدق أبي أذنيه فانشغل باصلاح عمته وغمغم لنفسه : بلده !
أي بلد هذا الذي يتحدث عنه ؟ ثم ارتفع صوته :

ــ يا سلام يا حسن ! أكرهت مقامك بيننا يا رجل ؟! يبدو أنك قد
كرهت مقامك بيننا يا حسن !؟

وبصق على الارض وكأنما يستهجن شيئا وأضاف .
ــــ أغضبت من أحد ، أم لعله الحنين الى تراب بلدك ؟.. لا يا حسن
.. اننا لم نشبع منك بعد .

وقدم له سيجارة ماكينة وهو يواصل حديثه :
ــ ولماذا انت حزين في العيد ؟ فرفش يا عم ! يمكنك أن ترجع
لبلدك.. لكن بعد العيد ، يابنت يا بطة . أين الشاي .. يا بنت الايه
.. تفضل يا حسن .. اجلس .. قعمز يا سيدي قعمز ..
وقطب أبي جبينه وفكر برهة ثم سأل :
ـــ وبالمناسبة يا حسن . أين بلدك .. ومن هم الـذين ..

وأربد وجه الرجل .. واعتصره حزن شديد أخـذ يغالبه ، وتصاعدت
الكلمات الى حلقه شيئا فشيئا ، كأن في اعماقه سرا دفينا . كأن يريد
أن يشكو لو وجد أذنا صاغية .

وتهاوى فجأة على المصطبة ، وأصابعه تتشنج على مقبض عصاه ،
ثم رفع فنجان الشاي الى شفتيه ، وأخذ يحتسيه في اللحظة التي بدأ
يتكلم فيها .

.. في (الكلح) عرفت فتاة خمرية . غرق في حبها لشوشته .....
وتلاقيا وتعاهدا على الزواج ، وراح يعد نفسه لحياة آمنة هادئة ... ثم
تقدم لأهلها .. فاذا بهم يحقرون من شأنه هو العامل ! عامل لا يساوي
شروى نقير .. هكـذا قالوا ..

ولمح الاصرار في عين فتاته فازداد حبه لها ، الا أن الايام كرت وهو
لا يستطيع لقاءها .. ثم كانت الكارثة .. تزوجت الفتاة من ابن عمها ،
جن جنونه فمضى يطوف بيتها وتلصص خلال الكوى وخصائص النوافذ
الخشبية .. حتى رآها مرة ترتمي في غنج ــ نصف عارية ــ في أحضان
زوجها الجلف ، فنفرت عروق رقبته . وبدأ يسمع نبضات قلبه خلف
أذنه طبولا داوية تدق وتدفعه دفعا فاقتحم الباب وأطل فوقهما والشرر
يتطاير من عينيه .

ثم ارتفعت يده القوية ببلطة صغيرة أهوى بها على رأس الزواج ففصله ،
وانكفأ عليها يطعن ، الا أن صرختها الداوية حفزته الى النجاة ،
فولى هاربا ، وقد ترك بين يديها لبدته الصفراء .

ثم بدأت مطاردة أهل القتيل والبوليس ، وبدأ طوافه فى ادغال
القصب حتى ضاق الخناق عليه فهرب الى الجنوب وهو يأمل العودة الى
زينب في يوم قريب ، وساقته قدماه الى اسوان ، فعمل في تعلية الخزان
حتى حامت الشبهات حوله فركب الباخرة خلسة الى القرى النوبية .. ثم
هذا النجع يحتمى فيه ..

وأجهش في بكاء مرير ، وأبي يربت على كتفه وصوته المختنق
مازال يقول :
ــ لكن مصير الغريب يا شيخ امين يردع لبلده ...
وربت ابي على كتفه .. وهتف :
ــ لكنهم يا مجنون .. ينتظرونك هناك ، حبل المشنقة ..
ينتظرك ..
ثم أشار بيده وكأنما يبعد خاطرة بدت له وأضاف :
ــ وأهل القتيل !
ـــ لا أخشى حبل المشنقة .. ،لكن زينب .
ــ هوه هوه ؟ تزوجت .. لابد أنها تزوجت .. اولى بك ان تعيش
هنا حتى توافيك اخبارها .
ــ وكيف ؟

وبدأ ابي عاجزا عن الاجابة ، فأطرق برأسه ثم قدم له سيجارة
أخرى اشعلها .. واخذ يرسل دخانها في حلقات تحوم فوق رأسه ..
ولانت مع نفثات الدخان عضلات وجهه ، وانطفأت البريق القاسى في عينيه
واسترخى على المصطبة .. وبدا واضحا ان نزوة (الردوع) الى بلده قد
فارقته الى حين ! فقد عاينته ساكنا هادئا بعد أن انتهى من قصته ، يرتشف
الشاي الثقيل في نهم .

زال من قلبه اي حماس يدفعه الى التفكير في العودة ، أو تمثل
السجن والمشنقة .. فوازن بين حياة القرية النائية المؤلمة ، وبين القبر
المظلم البارد في سجن قنا فقرر البقاء بعيدا عن الصعيد وادغاله ومطارداته
التي لا تنتهي .

وكثيرا ما كان حسن المصري يتداعى ويخلد الى الصمت ، فلا يبارح
الشونة لينطلق بعد ذلك يضحك ويرسل أغانيه الشجية ، وناطراه
يتجهان الى الشمال !

وفي ذلك اليوم القائظ ، والقيلولة تشوي الابدان لم يكن عند
الشاطئ غيره ، يتلقى مياه الجدول الكبير في احواض الذرة الشامية ،
وغيري انا متربعا على هودية الساقية اتأمل ظهر بقرتنا وهي تدور في
صمت .. وافكر في النيل ، تلطم امواجه الشاطئ في قوة ثم تعود الى
شاطئ الجزيرة الغارقة لشوشتها ، البادية كباقة خضراء القاها سكير
في اليم .

ولم يكن على شاطئ الجزيرة الا برعي وقد تعلق بذراع شادوف
ينحني ويقوم معه .. والا بعض الاطفال عرايا "يبلبطون" في الماء ..

،مع كل دورة واخرى للبقرة ، ومع القواديس الفخارية الحمراء ..
تصب الماء في الجدول الكبير .. ،مع هدير تروس الساقية وحفيف
النخيل . ووشوشة وريقات اللوبيا والترمس "وزمتة" القيلولة ولطمات
الموج، كان صوت حسن المصري ينسكب في أذني.. بينما عيناي تجولان
هنا وهناك لتلتقي مع الظل فوق الصخرة المعلقة على كتف الجبل، والتي
اتخذناها ساعة تحدد مواعيد عملنا، ولنلتقي عند الأفق بسفينة ثلاثية
الشراع. سوداء ضخمة تقترب من المنحنى الشمالي، غاطسة في النيل
الى غور .. تغالب الموج وتصعد الى الجنوب .. نفس السفينة التي تفد
الى شواطئنا في كل عام .. تحمل الفرحة الى قلوبنا نحن الصغار.

فيما بعد الجزيرة الخضراء ــ الى الغرب ـــ عبر النيل كان "كران
نوج" .. الاثر الروماني القديم يربض بقممه الشامخة على الصحراء،
تمتد الى ثلاثين ميلا ما بين قريتى "عافية".. و"عنيبة" بمحاذاة قريتينا
قتة وابريم ..

هذه الصحراء كانت رهيبة تملأ قلوبنا نحن الأطفال بالرعب ..
فالقصر مسكون كما تحكى جداتنا .. يغشى الهلع نفوسنا حين نرى رجلا
يسير الهوينى على دابته عبر الصحراء ، امام القصر المباشر.. فنبسمل
خشية أن تخرج العفاريت اليه لتنتزعه هو ودابته الى داخل القصر فلا
يعود الى ذويه!

وعلى الشاطئ الغربي ــ أمام القصر ــ بمحاذاة الشمندورة الحمراء
.. كنا نراقب وفرائصنا ترتعد ذئابا تعوي وثعالب بلون الرمل تجرجر
ذيولها حول القصر ، وضباعا تستدير حول نفسها ، وتماسيح تربض
في المغارات السوداء على الجرف ، تماسيح تنهش الابقار والاطفال
وتحملهم الى المغارات تتركهم هناك حتي تتعفن الاجساد فتزدردها لتعربد
بعد ذلك بين الشاطئين .

وفجأة ، وأنا أمد بصري الى الشاطئ المقابل ، تسمرت عيناي على
الماء وهو ينشق عن جسم هائل يخترقه من الغرب الى الشرق، حتى وصل
في سرعة البرق الى "الموردة" الملاصقة للساقية، ولطم الفلوكة لطمة
كادت تقلبها.. لطمة أثارت موجة عالية من الماء ورذاذا تساقط على يدي،
ثم استدار دون تمهل في حركة لولبية الى وسط النيل يشقه تماما مثل
محركات البواخر .. فارتعدت فرائصي لمرأى التمساح، وكدت أقفز
من الهودية هاربا بجلدي، تاركا بقرتنا تدور وتدور حولها في الساقية..
الا ان اختفاء التمساح وصوت حسن المصري سكبا في قلبي هدوءا أخذت
أستعيده لحظة بعد لحظة.. وأنا أتلفت هنا وهناك ، تكاد عيناي لا تستقران
على شيء !

ومن الناحية الشرقية ، في الطريق العام ، لاحظت فتاة أخذت تتحرك
ببطء وعلى رأسها "كوبيه" نحاسي (وعاء كبير يستخدم كالجرة) تتوهج
الشمس عليه وتنعكس منه أضواء باهتة صفراء على وجهها الأسمر ذى
التقاطيع النوبية وأخذت احدق البصر لأميزها، غير أنها اختفت فجأة
على مسافة قريبة من ساقيتنا ، بين عيدان الذرة، وفي نفس الوقت سكت
حسن المصري عن ترديد اغنيته .

وتملكني الفضول فأخذت أرنو ببصري في اتجاه الفتاة ، افتش عنها
هناوهناك الى أن وجدتها تنحني بين عيدان الذرة، وقد تعرت ساقاها،
تلتقط بعض الحشائش والعيدان.. ومن خلفها حسن المصري يقترب في
هدوء وحذر .. بينما انا أمعن النطر فيها ، في الفتاة المنحنية لا تبالي
بشئ مما يدور حولها ، وفي الرجل المتسلل اليها .

وقفز قلبي فجأة، فقد رأيته ينكب على الفتاة ويحيطها بكلتا يديه،
،يمد يمناه الى خاصرتها ويجذبها اليه وهي تقاوم في عناد..

ومد الرجل يسراه وقبض على فخذها، وقد كمم فمها بيده اليمنى ثم
انكفأ على الارض، وتدحرجا فوق عيدان الذرة التي تكسرت تحت ثقلهما
.. وبدت الفتاة ضائعة، الا أنها تمكنت منه ودفعته دفعة كفأته على وجهه
.. ثم استوت على قدميها وهرولت الى الطريق العام، وهي تنفض
ترابا علق بجلبابها وشعرها ثم حملت "الكوبيه" واتجهت الى الشاطئ
وهي تتلفت خلفها، وتضم ثيابها التي تمزقت عند صدرها وتتحسس فخذها.

ولبث حسن المصري لحظة يتتبعها بعينيه صامتا حتى توارت عن
ناظريه ، ثم عاد الى غنائه وكأن شيئا لم يحدث .

لحظة خاطفة تم فيها كل شئ، وفي سرعة أذهلتني .. وتبدى لي
حسن المصري شخصية جديدة، فلقد شهدته يصلي ويبكي ويحمل الاثقال،
ويرمم الجدران ويتسلق اشجار النخل ليجنى لنا نحن الصغار رطبا جنيا
مبكرة .. فاذا به اليوم يبدو رجلا قاسيا .. وتذكرت هنا قصته مع
زينب في الكلح ، واصابتني رعشة الا انني ادركت ادراكا غريزيا ان ما
يحدث يجب الا يذاع ، اذ كنت احب الرجل واتعلق به منذ اربعة اعوام
.. منذ كنت في الرابعة من عمري .
************************

وها هي الفتاة تقبل على "الموردة" في خطى لاهثة.. تتلفت الى
الوراء خشية ان يحلق بها الرجل، ،هالني الامر فانها "شريفة"
صديقة كل أطفال النجع ، فتاة في سن برعي دولحظ.. ممتلئة
القوام، بديعة القسمات سمراء ، واسعة العينين تتهدل ضفائرها على
كتفيها من تحت طرحتها الخفيفة السوداء.. متوسطة الطول. خفيفة الحركة
مثل الفراشات، يتيمة، تعيش مع أمها "داريا سكينة" .

توقفت عند الشاطئ، ،هي تلهث، ثم انحنت بعد أن استدارت
قليلا لتلقى نظرة على الطريق.. وطفقت تغمس "الكوبيه" النحاسي
الاصفر في الماء .

واختلط صوت ارتطام الوعاء بالماء، بصوت حسن المصري وهو
يسكن الحانه ، بينما انشغلت من جديد بالبقرة ودورانها وحركة
القواديس والموج وهو يعلو ويهبط، والتيار المندفع بلونه الداكن الحمرة
الى الشمال، والمراكب الشراعية وهي تشق طريقها في جهد ، وبرعي
وهو يجهد نفسه مع الشادوف على شاطئ الجزيرة، والقصر الاثري
والرياح تنفذ منقممه المتثلمة، ،من حوله رمال ساقية تدور في اتجاه
الريح..

وفجأة ارتفع صوت نسائي حاد يخترق طبلة أذني، وينتشلني من
تأملاتي الصغي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
"الشمندورة" محمد خليل قاسم [رواية نوبية]
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» فوائد الفلفل البارد او "الفلفل الرومي"
» مشاكل المفاصل " موضوع يهمك "
» تجنبي أسئلة "العكننة" الزوجية
» °¨°°o°°¨" آآآآآآآآآخر صيحات الشعر القصير °¨°°o°°¨"
» يـلآإ تعـآلو تعلـموا اللغه الإيرآنيــه ^^"

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
أدنـــدان :: 
أدندان النوبية
 :: قضايا نوبية عامة ::  اللغة والتراث النوبي
-
انتقل الى: